مركز الثقافة والمعارف القرآنية
443
علوم القرآن عند المفسرين
ما أخبر به القرآن من عجز الخلق عن الإتيان بمثله ، مثل قرآن مسيلمة الكذاب ، كقوله « يا ضفدع بنت ضفدعين ، نقى كم تنقين ، لا الماء تكدرين ، ولا الشارب تمنعين ، رأسك في الماء ، وذنبك في الطين » . وكذلك أيضا يعرفون أنه لم يختلف حال قدرتهم قبل سماعه وبعد سماعه ، فلا يجدون أنفسهم عاجزين عما كانوا قادرين عليه ، كما وجد زكريا عجزه عن الكلام بعد قدرته عليه . وأيضا فلا نزاع بين العقلاء المؤمنين بمحمد والمكذبين له ، أنه كان قصده أن يصدقه الناس لا يكذبوه ، وكان - مع ذلك - من أعقل الناس واخيرهم وأعرفهم بما جاء به ، ينال مقصوده ، سواء قيل : إنه صادق أو كاذب ، فإن من دعا الناس إلى مثل هذا الأمر العظيم ، ولم يزل حتى استجابوا له طوعا وكرها ، وظهرت دعوته وانتشرت ملته هذا الانتشار ، هو من عظماء الرجال على أي حال كان . فإقدامه - مع هذا القصد - في أول الأمر وهو بمكة وأتباعه قليل على أن يقول خبرا ، يقطع به أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ، لا في ذلك العصر ، ولا في سائر الأعصار المتأخرة ، لا يكون إلا مع جزمه بذلك ، وتيقنه له ، وإلا ، فمع الشك والظن ، لا يقول ذلك من يخاف أن يظهر كذبه فيفتضح ، فيرجع الناس عن تصديقه . وإذا كان جازما بذلك ، متيقنا له ، لم يكن ذلك إلا عن إعلام اللّه له بذلك . وليس في العلوم المعتادة أن يعلم الإنسان أن جميع الخلق لا يقدرون أن يأتوا بمثل كلامه ، إلا إذا علم العالم أنه خارج عن قدرة البشر . والعلم بهذا يستلزم كونه معجزا ، فإنا نعلم ذلك ، وإن يكن علمنا بذلك خارقا للعادة ، ولكن يلزم من العلم ثبوت المعلوم ، وإلا كان العلم جهلا ، فثبت أنه - على كل تقدير - يستلزم كونه خارقا للعادة . ولو قال مفتر : بل أنا أقول الذي أخبر بهذه الغيوب وأتى بهذه العجائب ، كان جاهلا أخرق ، ولا يدرى ما يقول وقيل له . فهذا أبلغ في الإعجاز وخرق العادة أن يكون مجنونا ، قد أتى بهذه الغيوب والعجائب